عمر السهروردي
59
عوارف المعارف
بمعرفة اللّه تعالى ، فيما ورد : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، كربط معرفة الليل بمعرفة النهار . ومن الذي يقوم بإحياء هذه السنة من سنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير الصوفي العالم باللّه ، الزاهد في الدنيا ، المتمسك من التقوى بأوثق العرى . ومن الذي يهتدي إلى فائدة هذه الحال غير الصوفي ، فدوام افتقاره إلى ربه تمسك بجانب الحق وليذ به ، وفي هذا اللياذ استغراق الروح واستتباع القلب إلى محل الدعاء ، وفي انجذاب القلب إلى محل الدعاء بلسان الحال والكون فيه نبو النفس عن مستقرها من الأقسام العاجلة ، ونزولها إليها في مدراج العلم ، محفوفة بحراسة اللّه تعالى ورعايته . والنفس المدبرة بهذا التدبير من حسن تدبير اللّه تعالى مأمونة الغائلة من الغل والغش والحقد والحسد وسائر المذمومات . فهذا حال الصوفي . ويجمع جمال حال الصوفي شيئان هما وصف الصوفية ، وإليهما الإشارة بقوله تعالى : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) « 1 » . فقوم من الصوفية خصوا بالاجتباء الصرف ، وقوم منهم خصوا بالهداية بشرط مقدمة الإنابة ، فالاجتباء المحض غير معلل بكسب العبد ، وهذا حال المحبوب المراد يبادئه الحق بمنحه ، ومواهبه من غير سابقة كسب منه يسبق كشوف اجتهاده ، وفي هذا أخذ بطائفة الصوفية رفعت الحجب عن قلوبهم ، وبادرهم سطوع نوع اليقين ، فأثار نازل الحال فيهم شهوة الاجتهاد والأعمال ، فأقبلوا على الأعمال باللذاذة والعيش فيها قرة أعينهم ، فسهل الكشف عليهم الاجتهاد كما سهل على سحرة فرعون لذاذة والعيش فيه
--> ( 1 ) سورة الشورى آية : 13 .